صفي الرحمان مباركفوري

294

الرحيق المختوم

فقال : لأمك الويل ، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف ، قال : فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله . ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره ، فعرفت أني قتلته ، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا ، حتى انتهيت إلى درجة له ، فوضعت رجلي ، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض ، فوقعت في ليلة مقمرة ، فانكسرت ساقي ، فعصبتها بعمامة ، ثم انطلقت حتى جلست على الباب . فقلت : لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته ؟ فلما صاح الديك صاح الناعي على السور فقال : أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز ، فانطلقت إلى أصحابي فقلت : النجاء ، فقد قتل اللّه أبا رافع . فانتهيت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فحدثته فقال : ابسط رجلك ، فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط « 1 » . هذه رواية البخاري ، وعن ابن إسحاق أن جميع النفر دخلوا على أبي رافع ، واشتركوا في قتله ، وأن الذي تحامل عليه بالسيف حتى قتله هو عبد اللّه بن أنيس ، وفيه أنهم لما قتلوه ليلا ، وانكسرت ساق عبد اللّه بن عتيك حملوه ، وأتوا منهرا من عيونهم ، فدخلوا فيه ، وأوقد اليهود النيران ، واشتدوا في كل وجه ، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم ، وإنهم حين رجعوا احتملوا عبد اللّه بن عتيك حتى قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . كان مبعث هذه السرية في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة 5 ه « 3 » . ولما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأحزاب وقريظة ، واقتص من مجرمي الحروب أخذ يوجه حملات تأديبية إلى القبائل والأعراب ، الذين لم يكونوا يستكينون للأمن والسلام إلا بالقوة القاهرة . سرية محمد بن مسلمة كانت أول سرية بعد الفراغ من الأحزاب وقريظة ، وكان عدد قوات هذه السرية ثلاثين راكبا . تحركت هذه السرية إلى القرطاء ، بناحية ضرية بالبكرات من أرض نجد ، وبين ضرية والمدينة سبع ليال ، تحركت لعشر ليال خلون من المحرم سنة 6 ه إلى بطن بني بكر بن كلاب ، فلما أغارت عليهم هرب سائرهم ، فاستاق المسلمون نعما وشاء ، وقدموا

--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 577 . ( 2 ) ابن هشام 2 / 274 ، 275 . ( 3 ) رحمة للعالمين 2 / 223 مع ما يؤخذ من المصادر الأخرى المذكورة في غزوة الأحزاب وقريظة .